الثلاثاء، 11 يناير 2011

الـعـمــل فـى الاسـلام كأنــه الـعـبـادة ... سـيرتـى فـى وظيـفـتــى

العـمـل فى الإسلام كأنه العـبادة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على جدنا رسول الله القائل فى حديثه الشريف " ولا تسألن أحدا ً شيئا ً ولو سقط سوطك " رواه أحمد وحسنه الألبانى وقال " أحب الناس إلى الناس من استغنى عن الناس ".

والغنى عن الناس لا يتحقق إلا بالسعى الجاد فى مناكب الأرض طلبا ً للرزق الحلال تحقيقا ً لقول ربنا عز وجل " فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور " آيه 15 من سورة الملك ؛ حتى فى يوم الجمعة لم يقل إستريحوا ولكنه قال " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا ً لعلكم تفلحون ". آيه 10 من سورة الجمعة .

لقد ألزم الإسلام جميع المسلمين بالعمل فى مختلف المجالات النافعة ؛ حتى تكون لهم المكانة اللائقة بين الأمم ويحققوا بعملهم الصورة المشرقة لدينهم وإسلامهم إستجابة لأمر الله عز وجل " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " آيه 105 من سورة التوبة ويقول الهادى البشير صلى الله عليه وسلم " من بات كالا ً من عمل يده بات مغفورا ً له " أخرجه البخارى من حديث رافع .
صدقت ربنا وتعاليت وبلغ رسولك الكريم ونحن على ذلك من الشاهدين .

والعـمـل فى الإسلام كأنه العـبـادة ؛ والعبادة هى الحسنى والإتقان والزيادة ولقد جاء فى الأثر أن بعـض الـصحابة سألوا رسول الله عـن رجـل يمكـث بالمسجـد لا يبـرحـه يصـوم ويصلى ويتهجـد فسألهم النبى : من يطعمه ؟ فقالوا : كلنا يارسول الله فقال : كلكم خير منه ... ومعنى القول من الحديث الشريف أن المسلم الذى يؤدى الفرائض ويعمل ليعول نفسه والأخرين خير من ذلك الذى ينقطع عن العمل ويتفرغ للعبادة .

لذلك صار الصحـابة رضوان الله عـليهـم يعمـلون بكل جد ونشاط حتى قرن الله تعالى التجار منهـم بالمجاهـدين فى سـبيـل الله فى آية واحـدة من سـورة المزمـل " وآخرون يضربون فى الأرض يبتغـون من فضل الله وآخـرون يقاتلـون فـى سـبيـل الله "آيه 20 وهـذا شرف عـظيم وتـشـريـف للـعـامـلـين .

فلاحظ أخى فى الإسلام وكن من أهـل هـذا الشـرف وأعمل على أن تكون من الصنف المنتج أينما كنت وفى كل وقت ولقد ضرب لنا جدنا الإمام على بن أبى طالب مثلا ً يحتذى فى طلب العمل الشريف حتى لوكان بسيطا ً فقال عن نفسه :- جعـت يوما ًً فـذهـبت إلى عـوالى المدينة أطلب عملا ً فوجدت إمرأة قد جمعت ترابا ً مـتـلـبدا ً تريد بلـه بالماء فـبادلتهـا كل ذنوب على تمرة فملأت لها ستة عـشـر ذنوبا ً حـتى مجـلت يدى واحمرت فبسـطت كفى لترى أثر العمل فعدت لى ستة عشرة تمرة فأخذتها وذهبت إلى رسول الله وأخبرته ففرح بها وأكل معى منها
ويقول الإمام على فى معرض حبه للعمل والفخر به

لحملُ الصخـر من قمم ِالجبال --- أحـبُ إلى من منن الرجال ِ
يقولُ الناسُ لى فى الكسبِ عار --- فقلتُ العار فى ذل السؤال
ِ

فلنحرص جميعا ً على العمل الجاد والإنتاج المثمر كل منا فى موقعه ومكانته لترقى الأمة وتسعد وتفلح .

بكل هذه المفاهيم الواعية والفكر الراقى تسـلمـت عملى ببنـك القـرية فى أبى رواش فى مستهل حياتى العملية فى 12/8/1978م وهناك جعلت أهلها فى قـلـبـى فاسـتقـر حبى فى قلوبهم جميعا ً وكان لى معهم ود وتراحم ومجاملات فى الأفراح والأتراح وتعاملت معهم من خلال عملى بالبنك واضعا ً نصب عينى دعاء النبى القائل :----" اللهم من ولى من أمر أمتى شيئا ً فرفق بهم فارفق به ..." رواه مسـلم فـفـهـمـت أن مجرد التبسم فى وجه صاحب الحاجة هـو نوع مـن الرفق بالناس وأن إشاحة الوجه والعبوس هو نوع من الشدة فأخترت الرفـق والـتزمـت التبسـم وحسن الخلق مع كل الناس ؛ وفى السطور التالية وبمناسبة بلوغى سن التقاعد فى 11/1/2011م أشرف بعـرض العـديد من المواقف العمـلية خلال مدة خدمتى التى أمتدت لأكثر من ثلاثين سـنة لتكون مثلاً ونموذجا ً للشباب القادمين فى كل موقع ؛ ونظرا ً لكثرة المواقف والتجـارب مع طول السـنين وحـتى لا نثقـل على القارئ الكريم رأيت أن تكون سيرتى فى وظيفتى على حلقات شهــرية فعـلـى بركة الله نبدأ بالحلقة الأولى .

الحــــــلقــة الأولــــــــى
مــــــــن
سـيرتى فـى وظـيـفـتـى

عـمـى الأسـتـاذ / عـبدالـعـزيز مـراد الـزمـر كان مثـلا يحـتذى به فى الإدارة ودقـة الحسـابات كما كان خـدوما ًأيضا ًجائنى بقـرار التعـيين بالبنك وحـضـر بنفـسـه إلى مسكنى بالجيزة ليخبرنى ولم ينتظر حتى أذهب اليه وأفادنـى أنه فى حالة وجود أى مشكـلة أن أذهـب لمكـتب أ/ أحـمـد عـبدالحمـيد مديـر مكـتب أ/ إبراهيم غالى رئيس مجلس إدارة بنك المحافـظة ؛ وبالـفعـل عـندما تقـدمت لإدارة شئون العاملين وجدت أ/ جوزيف يقول : كل العاملين الجدد سيتم تسليمهم العمل بفرع البنك بالصف فقـلت له أنا تعـيـنت بفـرع كرداسة فقـال لا لا الدفعـة كلهـا للعمل بالصف !! وعـلى الفـور توجهت لمكتب أ/ أحمد عبد الحميد وعـرفـته بشخـصى وقرابتى من أ/ عـبد العـزيز الزمر فنهض معى وأخـذ منى قرار التعـيين وأدخلنى مكتب رئيـس مجـلـس الإدارة فـوجـدت رجلا ضخما ً مهيبا ً أمسك بالقلم وكتب كلمات بالمداد الأخضر مضمونها " يتعـين المذكـور بفـرع كرداسـة " إبراهـيم غالى .

ذهـبت إلى فـرع كرداسـة ومعى قـرار التعـيين فـدخلـت عـلـى السـيد مديـر الفـرع أ/ عـبدالمنعـم جادو فنظر فى القرار ثم نهض وصافحـنى قائلاً : أنت أحمد بن عمى العـمـده عـبداللـطـيـف عـبـود رحـمـة الله عـلـيـه أهـلا ً وسـهـلاً .

عـند تسلمى العمل فى بنك قرية أبورواش قـلت للأسـتاذ / صفوت نبيه مدير البنك : سـلمنى أصعـب عمل بالبنك !! فـسـلمنى وظـيفـة كاتب البضائع وتـشـمـل الأسـمـدة والعلف والمبيدات والتقاوى والفوارغ ؛ وهذه الوظيفة كانت هى قلب العمل بالبنك ؛ وبتوجيهات وإرشادات أ/ عباس ربيع رئيس الحسابات قمت بضبطها فى السجـلات المختصة واستخراج حساباتها الشهرية كمية وأعداد ومبالغ حسب فترات أسعـارهـا بكـل دقـة وتـمـيـز واسـتخـدمـت الأقلام الملونة أزرق وأحمر وأخـضر ؛ أ/ عـصام الشـريف مراجـع الفـرع شكـرنى على دقة وتنسيـق ونظام البيانات ورسم لى نجـمة التفـوق على ميزان الأسمـدة وكتب عبارة ممتاز مع الشكـر وقال لى أمام الزملاء : أنت أحـسـن كـاتب بـضـائـع عـلـى مـسـتـوى بنـوك محافـظـة الجـيزة !!! أ / محمد عـبدالوهاب جـمعه مراجع بنك المحافظة حضر يوما ًً للمراجعة بالبنك وراجع معى كافـة المـوازين وطابقهـا مع السـجـلات وقال : معـقـول لم أجـد أى ملحـوظة أخطها بقلمى !! ثم ضحك وقال : وجدتها ثم أكمل تاريخ السنة المدون أعلا ميزان الأسمدة وأضاف رقم 19م بجوار 82 ليصبح التاريخ 1982م .

موقـف لطـيف وضاحـك فى أول يوم عـمل ببنك ابورواش تذكرته فـرأيت إضافـتـه للمـقـالة فى سـطـور من باب التسـريه والمرح ومضـمـونه أن الـزميل حارس بنك البراجيل الأمين / محمد زغـلول ناولـنـى كوبا ً من الـشـاى الـيـوم 21/9/2010م كـمـا نـاول أ/ محمـود مدير البنك وانصـرف فأمسـكـت بالكوب وشـربته بسرعة بينما أ/ محمود ينادى ويقول هات ملعـقة سكـر يا زغـلول!! جاء زغلول ونظر نحوى فوجد الكوب فارغا ً فضحـك وقال عاوز سكر!! وأمسك بالكوب وقال الشاى إندلق !! وكنت أنا قد حكيت له تلك النكته اللطيفة التى وقعت مع الشيخ / منتصر عبدالفتاح حارس بنك أبـو رواش فى أول يوم عـمـل ؛ فى ذلك الـيـوم جاء الـشـيخ / منتصر بمجموعة من أكواب الشاى ووضع أمامى كوبا ً ثـم ذهـب يوزع عـلـى الـزملاء الأخـريـن وأثنـاء عـودتـه كـنت أنا شـربت الشـاى فـوضعـت الكـوب الفـارغ عـلـى الصنية التى بيـده فأرتجف وقال : الشاى إندلق !! فقلت: لا لقد شربته وأخذ الشيخ كلما ناولنى كوبا ً عاد مسرعا ً ويضحك ويقول عايز سكر؟ ويأخذ الكوب الفارغ وأنا أقول له عايز شاى .


السيد مدير البنك علمنى كيفية جرد خزينة البنك وقمت بجردها وخبرتى بالعمل لا تتعـدى الشهـرين فـلمـا جـاء أ/ مـصطفـى رمـضـان لمراجعة سجـل الخـزينة تعجب واسـتنكـر جـردى للخـزينة مع حـداثة أقـدميتـى بالبنك فقال أ/ صفوت : أحمد الزمر أحـسـن من الموظفـين الـقـدامـى وأدق مـنهـم وسـيـسـتـمـر فـى الجـرد .

فى بنك أبورواش تحـقـقـت أمنية الشـباب فـتزوجت فى شـهر ديـسمبر عام 1979م وحـصلت على أقصر إجازة زواج لمدة خـمسة أيام فقط وذلك لحرصى على إنتظام العـمـل وحـتـى لا أثقـل عـلـى زملائـى .

ومن حرصى أيضا أنى كنت لا أبحث عن عذر لأتغيب بل كنت صادقا ً مع نفسى و أسرع بالعـودة إلى مقـر العـمـل من بعـد إنقـضاء المهمة ؛ فذهبت يوما إلى مقر بنك المحافـظة لطلب تحويل لطبيب أخـصائى البنـك وذهـبت مبكرا وأخذت التحويل من الدكتـورة/ كريمة وخـرجـت من البنـك فى نحـو الـساعة 8.30 صباحا ً وعـدت إلى بنك أبورواش فى الساعة العاشرة فلما دخلت البنك إستقبلنى المدير مندهشا ً وقال : أنت ذهـبت وجـئت بسـرعة ألم تجـد الدكتورة ؟ فقـلت : وجدتهـا وأعـطتنى تحـويل للكشـف فى المساء !! فـتوجه المـدير بكـلامـه للزملاء العاملـين وقال : أنظروا عـاد للعـمل ولم يتحجـج بالمرض كما تعملون !! هـذا الموقـف تسبب فى إحراج زملائى فعـنفـونى وطالـبـونى بعـدم تكـرارالعـودة مستـقبلاً !! وأنا أضحـك وأقـول : ورائى عـمـل كـثير مـطـلـوب إنجـازه !!.

هذا الموقف الذى حدث مع أ/ صفوت مدير بنك ابورواش فى عام 1979م وذكرته فى السـطـور أعلاه ذكرنى به اليوم موقف مثيل له عـند عـودتى من البنك الرئيسـى بالتحـرير يوم الأحـد 24/10/2010م فعـند دخولى لمقـر بنـك الـبراجـيـل فى نحـو الساعة الواحـدة ظهـرا ً إستقبلنى أ/ محمد زغلول حارس الأمن يقول مستغربا ً أنت جئت ياأسـتاذ أحمد !! فقـلت أمام الزملاءالعاملين أ/ علاء وأ/ ياسر وأ/ حسـن قلت : طبعا ً لازم أعـود لأنى تارك ورائى مجموعة عـيال والعمـل سـيتوقـف !! فضحكوا جميعا ًعـلى إستحـياء ؛ أ/ هشام مراجع البنك وأ/ سمير مراقب الإئتمان توقعوا عدم عـودتى للبنك بينمـا أ/ محمود مدير البنك قال لهم وأكـد عـلى أن أحمد سـوف يعـود اليوم !
فلما رأنى قال : أنا قلت لكم سيعود إنه ليس مثلكم يتحجج بعذر ليهرب من الشغل ! فلما حدث هذا الموقف ذكرت لهم مثيله فى 1979م والحمد لله أن جعلنى نموذجا ً ومثلا ً جميلا فى الإنضباط وحب العمل .

فى 1984م حصلت على علاوة الجدارة والتميز فى العمل من قبل أن يحصل عليها أ/ عباس ربيع رئيس الحسابات فقـال : أحمد يستحـق الجـدارة وأنا أعـتمد أى ميزان أوبيان مكتوب بخط يده دون تردد !!
أ/ خيرى مراجع أول بنك محافظة الجيزة عرض على شخصى النقل لبنك المحافظة للعـمـل بالإدارة المالـيـة عـندمـا وجـد منـى دقـة وسـرعـة فـى الأداء مع حسن الفهم للدوريات والتعـليمات الواردة ولـكـن أ/ عباس رفض وأقنعنى بالرفض والإستمرار ببنك قـرية أبـورواش وبـقـيت فـيه حـتـى 1995م .

الحاج /صقر سنوسى مبروك يعمل مقاول معمارى دخل علينا يوما ًبمقر البنك بمنزل الحاجة / نجيه بالدور الأرضى فصادف إنقطاع التيار الكهربى فقال : إيه العتمة دى !! فقلت : هل إحنا لاقينا أحسن من كده ! فقال : تعالوا عندى فى العماره الجديدة ! فأمسكت بيده ودخلت به على الأستاذ / عباس مدير البنك فلما سمع منه هذا الكلام أمسك بيده وذهبا سويا ً الى بنك المحافظة بالجيزة وجاءالأستاذ/ رمضان عباس مدير الشئون الإدارية للمعاينة بالمقر وإبداء الرأى فادخلته بإحدى الحجرات وكان النور مضيئا ً فقلت مخاطبا ً زملائى بعد أن أطفات النور: مطلوب منكم الحركات الحسابية والبيانات حالا!! فخرج المدير مسرعا ً بعد أن رأى المكان مظلما ً لدرجة يستحيل معها إستمرار العمل بدون كهرباء الأمر الذى جعله يوافق على النقل للمقر الجديد بعمارة الحاج صقربالطابق الثالث بشارع المعسكر فى 1988م وانتقلنا إلى المقر الجديد فوجدنا من الحاج صقر سنوسى كل مرونة وكل تعاون ولمسنا منه تضحية من أجل راحتنا فتعاملنا معه شاكرين له هذا الجميل .

ونكتفـى بهـذا الـقـدر وعلى وعـد أن نلتقى فى الحلقـة الثانية مـن سيرتى فى وظيفتى فى الشهـر القادم بإذن الله والسلام عليكم &&&&

الأربعاء، 29 ديسمبر 2010

يــا قــومـنــا إحــذروا الـجــبن والـبـخــل

يا قومنا .... إحـذروا الجـبن والبخـل

الجبن والبخل من أبشع الآفات وأصعب العقبات فى طريق المؤمن لأن سلعة الجنة غالية لا تشترى بغير النفس والمال حيث يقول عز وجل فى كتابه الكريم : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ؛ يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون ؛ وعدا ً عليه حقا ً فى التوراة والإنجيل والقرآن ؛ ومن أوفى بعهده من الله ؛ فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم ؛ وذلك هو الفوز العظيم "
آيه 111 من سورة التوبة .

وهذان {النفس والمال } يمنع من إنفاقهما الجبن والبخل ؛ وبالتالى تبور تجارة الآخرة وتضيع الصفقة على الشارى ؛ ويصف إبن القيم الآفتين بقوله :- الجبن هو تعطيل عن النفع بالبدن والبخل هو تعطيل عن النفع بالمال فالبذل المنتظر اليوم من صاحب الرسالة والهمة والمكانة إما بماله وإما ببدنه ؛ والبخيل يضن بماله والجبان يضن ببدنه ؛ والصفتان متلازمتان رضعا من ثدى واحد لذلك يقول صلى الله عليه وسلم فى يوم حنين " ثم لا تجدونى بخيلا ً ولا جبانا ً " وجاء فى صفته على لسان أنس بن مالك رضى الله عنه قال :- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم "...... وأجود الناس وأشجعهم" فى إشارة واضحة إلى تآخى الصفتين ؛ ولإشتهار هذه الصلة فقد أشار الشعراء إلى هذا الترابط فتواترت كلماتهم تمزج بين الشجاعة والكرم ومنها قول الشاعر المتنبى :-
وكلٌ يرى طرق الشجاعة ِ والندى * ولكنً طبع النفس ِ للنفس قائدُ

وعن البخل وبشاعته يقول صلى الله عليه وسلم :" وأى داء أدوى من البخل " حديث صحيح عن جابر ؛ وبخل صاحب الرسالة والمكانة أبشع لأن من بخل بماله فهو بالنفس أبخل ؛ وصاحب الرسالة والمكانة من بنود عقده مع الله " الموت فى سبيل الله أسمى أمانينا .. الشهادة .." فكيف يلتقيان !! فيا صاحب الرسالة والمكانة أنت تطلب المجد لدينك وأمتك ووطنك فمثلك يسرى عليه قول الشاعر عمرو بن الأهتم التميمى :-
وإنك لن تنال المجد حتى *** تجـود بما يضن به الضمير
بنفسك أو بمالك فى أمور *** يهاب ركوبها الورع الدثور
ومن خطورة البخل أنه يفتح أبواب الذنوب والمعاصى لذا كان الإمام أبوحنيفة النعمان لا يجيز شهادة البخيل فقيل له فى ذلك فقال
" أنه – أى البخيل - يتقصى ويحمله التقصى أن يأخذ فوق حقه "

ولأن البخل وإمساك المال من أهم مولدات العيوب لذا يعاقب البخيل بعقوبتين أولهما عاجلة وهى هموم الدنيا والأخرى مؤجلة إن هو جار على حق أو منع حقا ً وهى نارالآخرة ؛ لذا فالبخل شر كله فى صفته وحروفه كما يقول الجورجانى فى نكتة لطيفة " البخل على ثلاثة أحرف .. الباء من البلاء .. والخاء من الخسران .. واللام من اللوم .. فالبخيل بلاء على نفسه وخاسر فى سعيه وملوم فى بخله" .

ويقول بهلول فى نصحه للرشيد : دع الحرص على الدنيا وفى العيش فلاتطمع ؛؛؛ ولا تجمع من المال فما تدرى لمن تجمع ؛؛؛ فإن الرزق مقسوم وسوء الظن لا ينفع ؛؛؛ فقير كل ذى حرص غنى كل من يقنع .

وعن البذل والإنفاق نرى مثل الثرى المستمسك بدينه الباذل المنفق فى سبيل الله مثل المجاهد ؛ والغنى الزاهد اليوم يوشك أن يضارع المجاهدين فى نيل الثواب وتحصيل رضا رب وهاب ؛ وهم قلة قليلة بين الناس يصفهم أ/ عبدالوهاب عزام فيقول : - إنهم رجال لا يعبدون المال إن نالوه نثروه وفى الخير بذروه ؛ وإن فاتهم لم يتبعوه ندما ً ولم يدموا وراءه كفا ً ولا قدما ً ؛ تمتلئ بالأموال جيوبهم وتخلو منها قلوبهم ؛ إن أقبلت لا تضلهم وإن أدبرت لا تذلهم ؛ وهى عندهم إلى الخير بلاغ وعدة لدفع عات وباغ ؛ وإنما المعالى كسبهم والله حسبهم .

فاعلم أخى القارئ الكريم أن أكثر ما يفرح الرب الكريم هو إنفاق ماله لنشر دينه ولو كنت فى أمس الحاجة إليه ؛ فاحذر أن تحث غيرك على الإنفاق ثم تبخل أنت !! واحذر أن تجمع الأموال من الناس لتوصيلها إلى مصارف الخير وأنت فى مقاعد المتفرجين !!
واحرص على أن يكون أول جنيه فى أموال الصدقات منك أنت .

أما عن الجبن فهو علامة على إهتزاز الثقة بالنفس وضعف الصلة بالله ووهن اليقين ورقة الدين ؛ وكل من الجبان والشجاع يحب نفسه
فالجبان يهينها وهو يحسب أنه يكرمها ويجلها !!
والشجاع يقذف بها فى مواطن الفخر والشرف !!
وقد عبر الشاعر المتنبى عن هذا الوصف فقال :-
أرى كـلنا يبغـى الحــياة لنــفــســه
حـريصا عـليها مستهاما بهـا صـبّا
فحـب الجبان النفـس أورثه التـقــى
وحب الشجاع النفـس أورثه الحربا

واعلم أن الجبن ينشأ ويتولد من سلوكيات وأفعال نعيش فيها وتعمل من حولنا ....
فالأم ترضع وليدها الخوف من عواقب الخطر .
والأب يخاف على إبنه الأذى والسوء فيحذره بحق أو بغير حق .
والزوجة تخاف على زوجها فتقعده فلا يقول ولا يشارك فى رأى .
والصاحب قيل عنه هو الساحب والمرء على دين خليله .
والحاكم الظالم يهدد ويتوعد من يقول أو يصول بحق وبغير حق .
كل هؤلاء يزرعون فى القلوب بذور الجبن بقصد أو بغير قصد .

ويقول الشيخ محمد الغزالى فى كتابه " تأملات فى الدين والحياة "
مانصه :- إن الشجاعة قد تكلف صاحبها فقدان حياته ؛ فهل الجبن يقى صاحبه شر المهالك ؟ كلا فالذين يموتون فى ميادين الحياة وهم يولون الأدبار أضعاف الذين يموتون وهم يقتحمون الأخطار.

ياقومنا إنها معادلة لا بد وأن يفهمها كل صاحب رسالة ومكانة وسلطان كما فهمها الصالحون السابقون من الأجداد فبذلوا أرواحهم فى سبيل دينهم لعلمهم أن ساعة الموت لا تتأخر لحظة فكان منهم نماذج تحتذى عرضنا العديد منها على صفحات هذه المدونة .

ويقول صلى الله عليه وسلم فى حديث صحيح أخرجه الترمذى وأحمد " لا يمنعن رجلا ًهيبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهد فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق " وهذا هو مسك الختام والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته &&&&

الثلاثاء، 7 ديسمبر 2010

شــهـــر الله الــمــحـــرم

شـهـر الـلـه الـمـحـرم

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعــد
شهرالله المحرم من الأشهر الفاضلة ومن الأشهر الحرم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ....." أخرجه مسلم ؛ وقيل فى معنى إضافة هذا الشهر إلى الله أن الله هو الذى حرمه فليس لأحد من خلقه تبديل ذلك وتغييره .

وصيام يوم العاشر منه من أفضل القربات إلى الله ؛ وجاء فى الحديث النبوى الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء لأنه اليوم الذى نجى الله فيه بنى إسرائيل من عدوهم فصامه موسى عليه السلام فقال النبى " أنا أحق بموسى منكم " وصامه وأمر بصيامه اخرجه البخارى ومسلم.

وبهذا يتبين فضل يوم عاشوراء وأن حرمته قديمة ويستحب كثرة الصيام فى شهر الله المحرم غير أن طوائف من المبتدعة لم يقفوا عند هذا القدر بل أحدثوا بدعا ً عظيمة منكرة لا يمكن غض الطرف عنها ولا بد من الإشارة اليها والتحذير منها .
بدعة إعتباره يوم عيد كالأعياد " الفطر والأضحى " وهذا من تلبيس إبليس اللعين وهو من عمل اليهود فقد كانوا يصومونه ويتخذونه عيدا لهم يلبسون فيه الذهب والجديد من الثياب ؛ والمشروع للمسلم فى هذا اليوم الصيام فحسب وما إبتدعه النواصب بإعتباره عيدا ليس من الدين فى شيئ .

بدعة إعتباره يوم حزن عند الروافض من أعظم البدع وأسوءها ؛ ولا شك أن مقتل الحسين رضى الله عنه مصيبة عظيمة وصحيح أنه قتل ظلما ً وعدوانا ً ولكن نحن المسلمين من أهل السنة والجماعة نعتبر حادثة قتله شهادة وكرامة فهو سيد الشهداء وسيد شباب أهل الجنة ؛ ونؤكد على أن مايفعله الروافض ليس من الدين فى شيئ وإنما أمر الله ورسوله بالصبر والإحتساب والإسترجاع قال تعالى " ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأمول والأنفس والثمرت وبشر الصابرن 155 الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون 156 أولئك عليهم صلوت من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون 157 من سورة البقرة .

ونؤكد مرة أخرى على أنه لم يثبت فى فضل يوم العاشر من المحرم سوى ماجاء فى صيامه فحسب ؛ وكل ماخالف ذلك من البدع المظلمة والأثمة ونحن منه براء والحمد لله رب العالمين .
الأول من شهر المحرم عام 1432هـ
الموافق 7/12/2010م .

الاثنين، 29 نوفمبر 2010

الــرضـــا مـســتراح الــعــارفـــين

الرضا...مستراح العارفين
بقلم الشيخ/ أسامة حافظ
"ماذا يفعل أعدائي بي إن جنتي وبستاني في صدري .. حيثما سرت فهي معي .. فإن قتلوني فقتلي شهادة .. وإن سجنوني فسجني خلوة.. وإن نفونى فنفى سياحة".
ما أكثر ما تقلبت الأقدار بشيخ الإسلام ابن تيمية.. وما أعظم ما كان يلقاها به من رضا سكنت به نفسه واطمأن به قلبه .. بل وفاض من رضاه وسكينته علي غيره .
خرجت نفسه من حظوظها ورغباتها وآمالها لتأوي إلي مظلة عرش الرحمن وقصده ومراده .. فاستوت عنده الشدة بالرخاء.. والضيق بالسعة.. والفقر بالغني .
تأمل هذه العبارة الرائعة التي حفظها التاريخ عنه .. وانظر كيف تحول البلاء عنده إلي منحة ربانية لعظيم رضاه عن خالقه واستسلامه لقضائه.
ثم انظر كيف كان سكونه ورضاه يفيض علي تلاميذه ومحبيه فيستمدون من سكينته سكونا ومن رضاه رضا.
يقول ابن القيم أنهم كانوا إذا اشتد عليهم السجن – وما أكثر ما يضيق قلب المسجون بشدة الحبس – يذهبون إليه في محبسه فيسكن برؤيته ما في نفوسهم ويذهب ما بهم.. ثم يقول رحمه الله عبارة جميلة معبرة " فسبحان من أري جنته لعبادة في الدنيا "
فالرضا هو جنة العبد في الدنيا.. ومستراح العارفين.. وحياة المحبين.. وقرة عيون المشتاقين .. وهو مفتاح السعادة الوحيد في الدنيا والآخرة.
والآن .. ما هو الرضا ؟
وكيف يدركه السائر علي طريق الله ؟
يقول ابن عطاء
" الرضا سكون القلب إلي قديم اختيار الله للعبد.. أنه اختار له الأفضل فيرضي به "
ولكن ابن القيم لا يعجبه ذلك إذ يري فيه أنه رضا منقوص .. إذ أنه راض بما يناله منه سبحانه من حظوظ النفس.. أما مرتقي منزلة الرضا وذروته فهو أن يرضي به .
يقول رحمه الله معلقا ً علي القول السابق :
" هذا رضا بما منه .. أما الرضا به فأعلي من هذا وأفضل .. ففرق بين من هو راض بمحبوبه.. ومن هو راض بما يناله من محبوبه من حظوظ نفسه"
فالرضا بالله هو ألا يري لنفسه سخطا ولا رضا فيفني بربه عن نفسه وعما منها قد غيبه شاهد رضي الله بالأشياء في وقوعها علي مقتضي مشيئته عن شاهد رضاه .. فهو يستوحش من نفسه ومن صفاتها ومن رضاها ومن سخطها .. فهو يرضي عن ربه بربه لا بنفسه .
وطريق الرضا يبدأ بالمعرفة وهو ثمرة من ثمراتها.. كما يقول ابن الجوزي.
"فإنك إن عرفت الله رضيت بقضائه .. وقد يجد العبد في ضمن القضاء مرارات يجد طعم بعضها .. لكن العارف تقل عنده المرارة لقوة حلاوة المعرفة.. فإذا ترقي بالمعرفة إلي المحبة صارت تلك المرارة في قلبه حلاوة".
ويضيف:
" ومن ذاق طعم المعرفة وجد طعم المحبة فيقع الرضا بالضرورة "
وفي الحديث:
" إن الله تعالى قال: من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب.. وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه .. ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر فيه ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعـطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه "
وهذا هو الغني الأكبر
وطريق الرضا يبدأ بالصبر " إذا أحب الله عبدا ابتلاه .. فإذا صبر اجتباه.. فإذا رضي اصطفاه "
فمن صبر علي البلاء الصبر الجميل - وهو الصبر الذي لا شكوى فيه - فقد وضع قدمه علي أول طريق الرضا إذ يجتبي الله الصابرين ويصطفيهم بما صبروا ليجعلهم من أهل الرضا .
فالعبد في مقام الرضا محفوف بنوعين من الرضا كما يقول ابن القيم .. "رضا قبله أوجب رضا الله عنه.. ورضا بعده ثمرة لرضاه سبحانه" .
وحسن التوكل علي الله رافد آخر من روافد الرضا .. فمن رسخت قدمه في التوكل والتسليم والتفويض حصل له الرضا وغاص في نعيمه .
وبعد...
قد كنت أقرأ هذا الكلام وأحسب أنني عرفت بقراءتي هذه معناه.. ولكن الحقيقة أن معرفة أحوال العارفين لها معني آخر .
ففارق بين من يعرف العسل من خلال وصف الثقاة له .. أو من خلال رؤيته في أيدي الناس وبين من وضعه في فيه واستمتع بحلاوته .
لذلك فإن أهل الطريق كانوا يقولون "من ذاق عرف" وهم يسترشدون بهدي النبي صلي الله عليه وسلم وهو يتكلم عن حلاوة الإيمان.. وكيف أن ذائقها هو ذلك الذي رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلي الله عليه وسلم نبيا ورسولا .
وهكذا شهدت معني الرضا وأحسست بالمعني الجميل الذي عناه شيخ الإسلام الذي أشرنا إليه آنفا .. وذلك من خلال مشاهدة كثير من إخواني طوال محبسنا الطويل – 20 سنة – نتقلب بين شتي الأقدار والابتلاءات بما فيها من رخاء وشدة .
لقد كان كثير من إخواننا – متعهم الله برضاه – لا تتغير ملامحهم الهادئة المطمئنة بتغير الأحوال .. فلا تري عليهم مظاهر ضيق ولا جزع ولا ضجر رغم ما تعرضوا له من أهوال.. فقد أنعم الله عليهم بسكينة وطمأنينة ورضا ملأت جوانحهم وملكت عليهم أنفسهم.. فلا يقلقهم من أمور الدنيا شيء ولا يؤلمهم من بلائها شيء مهما اشتد .. ولا يكدر صفاءهم مكدر.. هم كثير روضوا أنفسهم بالصبر والتوكل حتى رضيت نفوسهم بالله ثم رضيت عن الله فاستراحت من كدرات الدنيا ورضيت بمراد الله فيهم .
ومنهم بالطبع.. بل ومن أصفاهم كان الأخ عبود والأخ طارق " فإنك لا.. تستطيع ساعتها أن تتذوق مقولة ابن تأوي إلي مهجع أحدهم إلا وتشعر أنك انتقلت من صحراء قاحلة إلي واحة فيها الراحة والسكينة والخضرة اليانعة والماء السلسبيل تيمية " لو كان في الجنة بعض مما نحن فيه لكفانا "
فقلبه ونفسه من قوة المعرفة وحسن التوكل لا يشعر بألم البلاء .. وإنما يشعر بحلاوة المحبة ونعيم الرضا .
فأهل الرضا في الدنيا هم الذين ذاقوا نعيم الجنة قبل دخولها .. فأهل الجنة ينالون قمة عطاء الله لهم بعد أن يستمتعوا بصور النعيم ويفرحوا بها فيعطيهم سبحانه ما هو خير من ذلك كله.
" ... أحل عليكم رضواني فلا أسخط بعدها أبدا "
فاللهم اجعلنا من أهل رضاك في الدنيا والآخرة
الاثنين الموافق
24-11-1431هـ
1-11-2010م


الإسم محاسب/ احمد عبداللطيف الزمر
عنوان التعليق
رحـم الـلـه مـن إقـتـدى واهـتـدى
الأخ الشيخ/ أسامه حافظ ... تحية إعتزاز وتقدير .. وبعد هكذا أنتم ياأصحاب الرسالة تعشقون كمال التضحية حتى تسعد قلوبكم بلذة العطاء والبذل ؛ ومحنة السجن لا تخدش ثباتكم ولا تنال من عزيمتكم إلا كما ينال الغبار من ضوء الشمس ؛ فأنعم وأكرم بهذه القلوب النبيلة ؛ إنها قلوب محصنة لا تخترقها الأهواء وتأبى الإنكسار أمام الريح الهوجاء ؛ ورحم الله من إقتدى واهتدى ؛ ونحسبك والشيخين عبود وطارق على خير ولا نزكى على الله أحدا ً هو أعلم بمن إتقى والحمد لله رب العالمين .

الثلاثاء، 9 نوفمبر 2010

نـاهــيـا أبـقــت مـصــر فــى ظــل الـخــلافــة ..... مـن حـســن فـهـم الـمـصريـيــن

ناهيا أبقت مصر فى ظل الخلافة
من حسن فهم المصريين

حكم العثمانيون بلاد العرب نحو أربعة قرون ؛ وكان من حسن فعالهم ترك شئون الحكم الداخلى فى البلدان لأصحاب العصبيات والكلمة المسموعة كأمراء المماليك بمصر ؛ وفى ظل الحكم العثمانى احتفظت مصر بقوميتها العربية قلبا ً وقالبا ً إلا أن عاطفة الولاء للخليفة العثمانى كانت أقوى أثرا ً؛ وكان حسن ولاء أجدادنا المصريين للخلافة العثمانية نابع من حسن فهمهم للدين ؛ وكيف لا وفيهم مشايخ الجامع الأزهر الشريف ؛ فكانوا يرون الخروج على دولة الخلافة خروجا ً على الإسلام وتفتيتا ً لوحدته ؛ وبهذا المفهوم المتميزتعامل أجدادنا مع حركة على بيك الكبيرعام 1773م وأفشلوها .

ثورة يوليو 1952م كان لها رأى وفكر آخر على نقيض ما ذكرناه فى السطور السابقة ويتسق مع فكر النزعة الوطنية والقومية العربية فهى ترى فى حركة على بيك الكبير ثورة من أجل الإستقلال وطرد المستعمر العثمانى !! ولولا خيانة محمد بيك أبوالدهب قائد الجيش وتآمره ما بقيت مصر مستعمرة عثمانية !! هذا الفكر أملته حكومة الثورة وجعلته تاريخا ً فى مناهج التلاميذ بالمدارس ؛ وهو فكر يعظم النزعة الإقليمية ذات المنظور الضيق وكان من نتائجها تمزيق الوطن العربى والإسلامى إلى دول ودويلات داخل حدود مصطنعة فضعفت الأمة وهان أمرها حتى تداعت عليها سائر الأمم والوضع لا يخفى على الناظرين .
حاول على بيك الكبير أن يستقل عن الدولة العثمانية بحكم مصر ؛ فقام بطرد الباشا العثمانى ودخل فى مناوشات حربية مع القوات العثمانية وحاول إستعداء القوات الروسية وجلبها لمساندته فى حركته ؛ لكن محمد بيك أبوالدهب قائد الجيش رفض فكرة الإستقلال وعدها خروجا عن الدين خاصة أن على بيك الكبير ينتهى نسبه إلى الروس وأبيه كان قسيسا أرثوذكس !! كما أن والده القسيس حضر لمصر ومعه شقيقة على بيك للتعرف عليه من بعد فراق طويل وخرج على بيك فى إستقبالهما وأكرم ضيافتهما ثم عادا لبلاد الروس ولم يدعوهما للمكث والإسلام مما قلب عليه الرأى العام المصرى .

ويكفى لنتعرف على تردى الأوضاع أثناء حكم على بيك أن نقرأ رأى الرحالة الإنجليزى {جيمس بروس } الذى زار القاهرة مرتين فى عام 1768م وعام 1773م فيقول :--- " أنه لا يمكن أن يوجد على ظهر البسيطة حكومة أشد قسوة وظلما ً وعدوانا ً وطغيانا ً من حكومة المماليك الأشرار بمصر " ؛ ويقول عنه الجبرتى أنه :-----" عاقب الكبار بجناية الصغار" .

وتقول المحققة الدكتورة / عائشة التهامى فى مقدمة كتاب " على بيك الكبير حياته وعصره " مانصه :-- كان على بيك فى أول نشأته مملوكا ً لإبراهيم بيك زعيم الكردغلية ؛ وما زال يتقدم لذ كائه ومقدرته حتى رقاه إلى رتبة بيك ؛ ومنذ ذلك الحين أخذ على بيك يعقد الآمال على أن يتقوى شيئا ً فشيئا ً حتى يصير يوما ً ما شيخا ً للبلد ؛ وكان قد جمع ثروة طائلة وقضى ثمانية أعوام فى شراء المماليك وتدريبهم وسعى فى مد صلات المودة مع البكوات الآخرين ؛ وهرب على بيك إلى الصعيد وهنالك إلتقى بكثير من الساخطين على شيخ البلد وبمرور الوقت تمكن أن يكون كبيرا ً للمماليك من بعد منازعات وحروب مع أقرانه ومنافسيه من المماليك أدت إلى تخريب البلاد والإخلال بالأمن ؛ واضطر على بيك للخروج من مصر والفرار إلى بلاد اليمن سنة 1733م؛ لكن مالبث أن عاد بدعوة من أنصاره بالقاهرة وفى مقدمتهم إبراهيم بيك ومراد بيك ومحمد بيك ابوالدهب ؛ وتولى على بيك مشيخة البلد فى سنة 1763م واستقر له الأمر بعد أن ثبته السلطان العثمانى فى منصب شيخ البلد ؛ ولما خلا له الجو أخذ فى مناهضة نفوذ الدولة العثمانية وطمحت نفسه إلى الإستقلال بمصر وأخذ يعمل على ذلك سرا ً ؛ وشك الباب العالى فى إخلاصه فأرسل كتابا ً إلى الوالى بمصر يأمره بقتل على بيك ؛ فلما علم بالخبر من قبل وصوله للوالى جمع المماليك وأثار حميتهم ضد الباب العالى وذكرهم بأمجاد سلاطين المماليك بمصر واتفق معهم على خلع الوالى العثمانى وطرده من مصر وامتنع عن دفع الجزية للباب العالى سنة 1769م ؛ وهلاك على بيك وسقوط دولته يرجع إلى ما أصابه من خيانة أحد مماليكه واسمه / محمد بيك أبوالدهب قائد الجيش ؛ فلما أحس على بيك بخيانته ولاحظ أن الجيش كله معه لم يتجاسر على معاقبته وتآمر على قتله سرا ً فلم يستطع وفر محمد بيك إلى الصعيد واتفق مع الناقمين هناك وعاد ومعه الجيوش التى إنضمت له ضد على بيك الكبير ؛ وهرب على بيك إلى سوريا وهناك جدد قواه الحربية من مصدرين الأول أقام المخابرات مع الروس أعداء العثمانيين فأرسلت روسيا الذخائر الحربية وثلاثة آلاف من العسكر والثانى تحالف مع الشيخ / الظاهر والى عكا ... إنتهى النص

والعجيب أن الباحثة بعد أن سجلت كل هذه المؤمرات والحروب التى أقدم عليها على بيك وأدت كما ورد فى النص إلى تخريب البلاد والإخلال بالأمن إلا أنها تصف تلك الأعمال بالإصلاحية العظيمة !! وتصر على وصف محمد بيك أبوالدهب بالخائن على الرغم من وقوف الجيش كله معه وكذلك جيوش مماليك الصعيد من خلفه وضد على بيك !! ومرجع ذلك فى إعتقادى إلى إختلاف مفهوم الحرية والإستقلال .
كما تبين أن الدكتورة الباحثة حصرت أسباب إستحقاق أبوالدهب لهذا الوصف فى " أنه أعاد مصر تحت سلطة الباب العالى وإستقر هو فى شياخة البلد " بينما تصف على بيك بأنه سار بالبلاد سيرة حسنة وأراد الخروج على الباب العالى !! وهذه نتائج غير منطقية وتدل على عدم فهم الأمور على حقيقتها !! وحقيقة الأمر أن هناك مفهومين الأول الوطنية والثانى الأمة وعن الوطنية نقول إنها مفهوم إنفصالى يحمل فى طياته الفرقة والأنانية ويقطع أوصال الأمة إلى مصرى وسودانى وتركى وإيرانى وشامى وعربى ويقول د/ لويس عوض فى بحثه " تاريخ الفكر المصرى الحديث " مانصه :- المخطط الأوربى كان لتصفية الإمبراطورية العثمانية والإستيلاء على تركتها ولم يكن هناك سلاح أمضى لتحقيق ذلك من تغذية الفكرة القومية فى الأمصار .... بونابرت الفرنسى إنتفع من هذا الشعور القومى وغذاه وعمل كل ما فى وسعه لبلورته وتحويله إلى سلاح سياسى فى معركته مع المماليك بمصر ومع الدولة العثمانية وهو عين مافعلته فرنسا من قبل ذلك فى تغذية القومية الأمريكية وتقوية روح الإستقلالية فيها حتى إنفصلت أمريكا عن إنجلترا . إنتهى النص .

أما الأمة فهى أمة الإسلام فى كل الأوطان حيث يقول عز وجل فى كتابه الكريم " إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون " آيه 92 من سورة الأنبياء ؛ والمصريون وحياتهم كانت مع مفهوم الأمة المسلمة لذا كانوا يقبلون وعن طيب خاطر ورضا بأى حاكم مسلم وغير مصرى يقبلونه ويخلصون له وفى ذات الوقت كان إخلاصهم وولائهم لدولة الخلافة الإسلامية ولا يقبلون الخروج عنها وهم فى هذا يتفقون مع محمد بيك ويناهضون على بيك خاصة وأن الأخير أخذ فى تدبير الأمور لفصل مصر عن دولة الخلافة مما أغضب المصريون فخرجوا عليه بقيادة محمد بيك أبوالدهب وأحكموا السيطرة على القاهرة لتبقى مصر فى ظل الخلافة الإسلامية ؛ ولا شك أن الأزهر الشريف كان له الدور المهم فى نشر هذه المفاهيم الراقية والمتسامحة بمصر وكيف لا والشريف أحمد والشيخ المهدى أبناء ناهيا كانا من شيوخه الكرام وفى جيل واحد .

كانت أرض ناهية فى ذلك الوقت أوقافا ًً سلطانية كعهدها على مرالتاريخ وكان المقدام عليها الشريف أحمد يوسف الزمر ؛ والمقدام هو ذلك الشخص الذى يتقدم عن قريته ويدفع الخراج ؛ والخراج هو مقدار من المال أو الحاصلات ؛ والمقدام هو بمثابة المستأجر لدى السلطان وهو مسئول عن تشغيل الفلاحين وحل مشاكلهم أو عرضها على السلطان ؛ فلما وقعت الثورة واندفع الفرسان إلى مصر "القاهرة " دب الخوف والفزع فى قلوب سكانها فغلقت الحوانيت أبوابها وامتنع التجار والباعة عن دخولها فشحت الأقوات ووقعت مجاعة كادت تؤدى بحياة الجميع من الجنود والأهالى وبالتالى ستفشل ثورة محمد بيك وتنهزم وتخرج مصر من ظل الخلافة ؛ يشير إلى ذلك المؤرخ الجبرتى فى أكثر من موضع فى تاريخه ويؤكد على أنه " لولا مسارعة أهل الريف من البلدان القريبة لتقديم المأكل والمعونة لتعرضت مصر لمجاعة ماحقة " وقريتنا ناهيا من أقرب هذه البلدان وأكبرها فى ذلك الزمان وهى التى قامت بجل هذا العمل الإنسانى التاريخى العظيم وما سمعناه بالتواتر عن الأجداد يتفق تاريخيا ً مع هذه الأحداث .

لقد خرج المقدام أحمد يوسف الزمر يتقدم أهالى ناهيا الطيبين المخلصين خرجوا جميعا ً صوب مصر وهم يحملون على دوابهم كافة المزروعات والثمار الناضجة لتقديمها عن طيب خاطر لأهالى وسكان مصر المحروسة و لجنود وفرسان الثورة وكذا الأعلاف اللازمة لدوابهم ؛ ولاشك أن المواطنين بكافة أنحاء القطر المصرى كانت ألسنتهم تلهج بالدعاء والثناء على ناهيا وأبناء الزمر لعظيم إحسانهم ومروءتهم التى أنقذت مصر من مجاعة ماحقة وساندت الثورة التى حافظت على بقاء مصر فى ظل الخلافة الإسلامية ؛ وهكذا كانت ناهيا فى قلب الأحداث ؛ وجاءت المكافأة على قدر العمل وكما أقطع الخليفة الفاطمى أرض ناهيا للأمير بدرالدين الجمالى المنقذ الأول عام 1073م أقطع الوالى محمد بيك ابوالدهب أرض ناهيا للشريف أحمد يوسف الزمر المنقذ الثانى عام 1775م لقد أقطع الوالى أعز مايملك أرض ناهيا لأعز حبيب الشريف أحمد والحمد لله رب العالمين .

السبت، 30 أكتوبر 2010

الحاج / عبدالمجيد الصياح الزمر.....

الحاج / عبدالمجيد الصيّاح الزمر
قطب القوة والشجاعة والجود والكرم
جـــد ى لأمـــــى .. وخـال أبــى

رجل من أهل القوة والشجاعة رهن قوته وشجاعته لنصرة الضعفاء وحماية بلدته ؛ أخواله أسرة الدالى بمنشية البكّارى ووالده نائب العمدة الحاج / محمد الصياح عمر أمين الزمر وعنه تقول الحاجة/ أم عبودالزمر " جدى الحاج / محمد حج إلى بيت الله الحرام فى عام 1905م وهناك تقدم جدى لقيادة القافلة بماله من خبرة فى ركوب الهجين وحنكة فى معرفة دروب المسير ؛ وكان الجميع يتعجبون منه لجده وجلده وصبره ومروءته فى خدمة الحجيج والحفاظ على أمتعتهم ؛ فحمى القافلة من غدر الخائنين وطمع الطامعين ."

وتقدم الحاجة /ام عبود الزمردليلا ً على مروءة وكرم جدها الحاج/ محمد الصيّاح فتقول " منذ أكثر من قرن فى 1890م تقريبا ً خرج جدى الحاج محمد من بيته بشارع درب الحسنية فوجد خيمة منصوبة فى المتسع أمام جامع سيدى عمروتحديدا ً مكان بيت العمدة مختار الزمر فلما أقترب من الخيمة ليستطلع الأمر وجد بها إمرأة صعيدية مبرقعة ومعها ثلاثة أطفال ولدين وبنت فعلم منها أنها جاءت من الصعيد تطلب المأكل والمأوى من بعد وفاة زوجها بالصعيد وأنها أختارت الحضور إلى ناهيا لأنها كانت تسمع عن كرم عائلة الزمر من المثل الشائع هناك حيث كانت الناس تصف الرجل الكريم والشهم بأنه مثل أولاد الزمر ؛ وعلى الفور أخذهم جدى وأسكنهم فى إحدى حجرات الخزين ببيته ؛ ومرت الأيام وشب الأولاد وكبروا والتحق الولدين بالعمل لدى محمد بيك عبود كخفراء وتزوجت البنت وأصبح لهم ذرية وبنين وحفدة يعملون فى مختلف الأعمال والوظائف بقريتنا ناهيا وخارجها ."

جده الحاج /عمرأمين الزمر سلك سلوك الأسخياء ولا عجب فى ذلك فالرجل كان صديقا ً للعلماء يصاحبهم ويستضيفهم فى بيته بشارع درب الحسنية ؛ ورجل يصاحب العلماء يحبهم ويحبونه لا بد وأن يكون نقيا ً وتقيا ً جوادا ً وسخيا ً مقبلا ً على الآخرة زاهدا فى الدنيا نعم نعم لقد كان هذا ديدنه ومن شمائله ؛ فها هو الحاج / عمر يخرج من بيته فتنتظره الصبية والغلمان فيوزع عليهم النقود ؛ ثم يذهب إلى الجزار ليجد الفقراء ينتظرونه فيقطع لهم أرطالا ً من اللحم يوزعها عليهم ؛ ويذهب إلى الغيط فيقبل عليه الفقراء والمساكين فيعطيهم ما تيسر من الزروع الخضراء والثمار الناضجة ؛ يعطى عطاء من لا يخشى الفقر فلا يرد مسكينا ً ولا ينهر سائلا ً .

زوجته / فاطمه حسانين حسن حسن أغا الزمر وهى جدتى لأمى كانت من أجود الناس وأسخاهم تجود بالكثير الكثير فلا يتبقى لديها إلا القليل ؛ وحرصت واستمرت على خصلة إستضافة المساكين من بعد وفاة جدى كحرصه من قبل وفاته ؛وقد تعلقت أنا بها تعلقا ً شديدا ً وأحببتها حبا جما ً وكنت أناديها باسم " ست الصبيا " فتضحك كثيرا ً لهذا النداء ؛ وفى يوم الخميس 2/1/1992م الموافق 27 من شهر جمادى الأخرة 1411هـ توفيت ستى / فاطمة عن عمر ينهز التسعين ؛ رحم الله الجميع رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته ولا نزكى على الله أحدا ً هو أعلم بمن اتقى و نظن بهم خيرا ً .

وإذا كانت القوة هى الفضيلة وإذا كانت الحياة هى الصراع بين القوى والضعيف فإن الإنسان يفضل القوة ويحبها ويحرص على المزيد منها ؛ والناس يكرهون الضعيف ويحتقرونه ويحبون القوى الشجاع ويحترمونه ؛ وهناك ألوان متعددة من القوة بخلاف القوة العضلية ؛ فالصبر من القوة لأن الإنسان الصابر هو الذى يتغلب على الصعوبات التى ينحنى أمامها غيره من الناس ؛ والرحمة من القوة لأنها لا تأتى إلا من قوى ؛ والكرم من القوة لأن الإنسان الكريم هو الذى يعطى ما عنده للأخرين دون أن يمن عليهم ؛ والتواضع من القوة لأن الإنسان المتواضع هو الذى يشعر أن مكانته معتبرة وأنه ليس فى حاجة إلى أن يظهر ذلك للناس ؛ والحلم من القوة لأن الإنسان الحليم لا يغضبه أن يتطاول الناس عليه ويرى أن الغضب ضعف ؛ والعدل من القوة لأنه دليل على قدرة الإنسان فى مواجهة إساءة الأخرين فيتسامح معهم ؛ وكان من دعاء النبى صلى الله عليه وسلم قوله " اللهم أرزقنى العدل فى الرضا والغضب " .

الحاج/ عبدالمجيد الصيّاح كان يرى ماشيا ً وكأنه راكب ؛ كان يمسح الكتابة البارزة من على العملات الفضية بضغطة سريعة من أصبعيه السبابة والإبهام !! كان يفرك حبات الفول الحصا فتتحول إلى دشيشة تتساقط من يده !! إستطاع أن يطبق العملة الفضية إلى نصفين بالضغط عليها بأصبعه الإبهام بين السبابة والوسطى !! وعلاوة على هذه القوة العضلية كان من الصابرين الكرماء الحلماء الرحماء المتمسكين بالعدل فى الرضا والغضب ونظن به خيرا ً .

فى يوم حار من أيام صيف 1930م خرج عبد المجيد الصيّاح للتجوال فى سوق الفحامين بالقاهرة ومعه بعض أصدقائه وبينما هم يسيرون فى الطريق الرئيسى للحى فجأة تعالت صرخات النساء وصيحات الرجال !! فهناك إشتبك رجلين من أهل الجزارة معا بالسكاكين والدماء تنزف منهما ولا يستطيع أحد من الناس الإقتراب لفض الإشتباك ؛ فجرى عبدالمجيد نحوهما وأمسكهما بكلتا يديه من رقبتيهما وضغط بشدة فكادتا أن تكسرا فصرخ الرجلين ورفعا أيديهما على الفور فضرب رأسيهما ببعض فسقطا مغشيا ًعليهما !! وأقبل الجمع الحاشد من المشاهدين فشكروا عبدالمجيد على شجاعته وحسن تصرفه ثم حملوا الرجلين لإسعافهما من الجروح .

حين قامت الحرب العالمية الثانية نزلت بعض جيوش الحلفاء فى قريتنا ناهيا وسيطرت على مداخل الطرق المؤدية للقرية ؛ وفى الليلة الموعودة بالبطولة عاد عبدالمجيد فى ساعة متأخرة وكان لابد وأن يمر على أحد الأكمنة لتلك الجيوش حيث كانوا يستوقفون كل من يمر عليهم لتفتيشه بطريقة مهينة ! ولكن عبدالمجيد الصيّاح وهو الرجل الشهم الشجاع يتصرف بطريقة تشرف كل مصرى .

لقد إقترب عبدالمجيد من الموقع وهو راكب فرسه فأشار إليه قائد الكمين بأن ينزل من على دابته فتجاهل إشارته ! فاقترب قائد الكمين وبجانبه جندى مسلح وأصرا على إنزاله من على الفرس ؛ فما كان من عبدالمجيد إلا أنه التف من فوق الفرس وبسرعة وكأنه يترجل عنها فضرب قائد الكمين بقدمه فطرحه أرضا ً وفى نفس الوقت دفع بيده القوية جندى الحراسة فارتطم بمؤخرة الفرس فسقط مغشيا ً عليه !!! ثم قفز بخفة ليركب دابته وينطلق مسرعا ً تاركا ً وراءه قائد الكمين يطلق صفارته يطلب النجدة من زملائه لكن بعد فوات الآوان ؛ وشاع الخبر بين الأهالى ومضمونه عبد المجيد الصيّاح ضرب الإنجليز بالشلوت !!!!

وسمعت من شاهد عيان أن الحاج عبد المجيد الصيّاح ذهب إلى حقله فى أحد أيام الشتاء البارد من عام 1933م وفى ذلك اليوم أرعدت السماء وتساقط المطر بغزارة حتى أصبحت جميع الطرق منزلقة ويصعب السير فيها للإنسان والحيوان على حد سواء لكن لابد من العودة إلى البيت فى شارع الحسنية ؛ يقول شاهد العيان فى ذلك اليوم المطير " لقد ركبت أنا على الحمار ومشى الحاج من خلفنا على حذر بينما شق الحمار طريقه بصعوبة وسط الأوحال بالطرق الزراعية فكان كلما إنزلقت أرجل الحمار أمسكت أنا فى رقبته وأسرع الحاج ليقيله من عثرته !! وفجأة توقف الحمار مكانه بعد أن غاصت أرجله فى الطين والأوحال فلا يستطيع ألحركة وأسرع الحاج فوضع كلتا يديه أسفل بطن الحمار ثم إنتزعه من الطين وسار به خطوات نحو الطريق اليابسة وأنا من فوقه !!!.

لقد كان والدى الحاج عبد المجيد صاحب قوة وشجاعة ومع هذا لم نسمع أنه إعتدى بالضرب على أحد من الأهالى حتى أبنائه كان يتحاشى أن يضرب منهم أحدا ً هكذا قالت أم عبود الزمر وأضافت أنه تصادف فى اليوم التالى لذلك اليوم المطير أن إنزلقت إحدى سيارات النقل وهى محملة بالقمح وتجمع حولها مجموعة من الأهالى يحاولون دفعها لتسير دون جدوى ؛ وأيقن الجميع أنه لابد من إستدعاء الحاج ؛ وخرج الحاج عبدالمجيد مسرعا ً مع الداعى وذهب حيث مكان السيارة المنزلقة على الجسر فقال لجمهرة الأهالى" إبعدوا أنتم " فابتعدوا ثم قال للسائق " إركب أنت واستعد" فركب السائق وهو يتعجب إذ كيف يتقدم هذا الرجل لدفع السيارة بمفرده بينما لم يقو على زحزحتها حوالى عشرون رجلا ً !! وتقدم الحاج عبد المجيد من خلف السيارة فوضع كتفه فرفعها فإندفعت بسرعة للأمام وخرجت من ذلك المنزلق اللعين وسط تكبيرات الرجال وزغاريد النسوة اللائى تصادف مرورهن على الطريق.

وسمعت أيضا ً حكاية ظريفة عن جدى الحاج عبدالمجيد وهو فى مقتبل شبابه يقول الراوى أنه نزلت بقريتنا مجموعة من الحواه وقفوا أمام جامع سيدى عمر والتف الناس من حولهم ليشاهدوا الألعاب العجيبة والغريبة ووقف الشابين عبدالمجيد الصيّاح وعبداللطيف عبود مع الواقفين ليشاهدوا لعبة القوة ؛ فهاهو أحد الحواة قد أمسك " حدوة حصان " فى يده وأخذ يمر بها على الواقفين يضعها فى أيديهم ويتحداهم هل منكم من يستطيع كسرها ؟
ويستردها من الواحد تلو الأخر قائلا ً لا أحد لا أحد يستطيع ؛ فلما وصلت الحدوة فى يد عبد المجيد الصيّاح ضغط عليها بشدة فالتوت ثم ضغط أخرى فانكسرت ثم ناولها للحاوى فلما أمسكها بيده وجدها منكسرة !! فأصابه الذهول وأخذ يجمع حاجاته وأدواته ويقول لإخوانه " مالنا عيش فى البلد دى " وعلى مايبدو أن الحاوى كان يستبدل الحدوة الحديد بأخرى من الصفيح دون أن يلحظه أحد ثم يكسرها أمام الناس !! وراح الناس من بعد أن تبين لهم كذب الحاوى يسخرون منه ويضحكون عليه قائلين " مع السلامة يا أبوحدوه صفيح " .

ومن مواقف الفتوة المضحكة هناك موقفا ً للحاج عبدالمجيد فى مطلع الأربعينات من القرن الماضى مضمونه أن الحاج كان يتربع بالجمعية الزراعية على حصيرة مع مجموعة من الأهالى ويشربون الشاى وفجأة دخل عليهم رجل غريب تبدو على هيئته علامات الفتوة فلما سأل عن الحاج عبد المجيد أشاروا إليه ! فتقدم الرجل وتربع أمام الحاج وعرفه بنفسه وسلم عليه بيده سلاما ً قويا ً! ففهم الحاج أن هذا الرجل فتوة وجاء ليختبر قوته من بعد أن سمع عنه فى البلاد الأخرى ! والحاج عبدالمجيد كان حريصا ً على إخفاء قوته ولا يبديها للأخرين إلا فى حالة الضرورة وهذا الرجل قد جاء ليتحدى ويفرض سطوته على القرية خاصة الضعفاء إذا لم يجد من يصرعه ويقف له فكان لابد من إظهار شئ من القوة العضلية !!! ونظر الحاج يمينه فوجد شوال كيماوى زنة مائة كجم فضرب كفيه من تحت ثم حمله فوضعه عن يساره وهو متربع تماما ًثم قال للرجل : تسمح ترجع الشوال ده مكانه !! فضرب الرجل كفيه من تحت ليحمله كما حمله الحاج فلم يستطع وحاول أخرى فلم يستطع وتفلت !! أى أخرج ريحا ً ضراط ! فضحك الحاضرون وأراد الرجل أن ينصرف فقال الحاج : أقعد وأشرب الشاى ولا أراك فى ناهيا مرة أخرى .

وعلى ذكر المواقف المضحكة أتذكر أنى ذهبت منذ سنوات إلى محل جزارة الحاج / عبدالحميد منصور لشراء اللحم الجملى فوجدت خالى الحاج/ هانى عبدالمجيد الصيّاح واقف يشترى أيضا فسلمت عليه وأوصيت الجزار قائلا : خد بالك من خالى الحاج هانى
فضحك وقال مخاطبا الحاج هانى : طبعا ًمن حقه يوصى عليك ده أبوه العمدة عبداللطيف عبود وجده الحاج عبدالمجيد الصيّاح !! فضحكت وضحك خالى الحاج هانى .

واستأثر الحاج عبد المجيد بزراعة القصب على مستوى قريتنا وربما القرى المجاورة ؛ ونوعيات الزراعة كانت حرة فى ذلك الزمان أما الآن فقريتنا ناهيا متخصصة فى زراعة الخضروات مع بعض المحاصيل الأخرى كالقمح والذرة وأصبح القصب فى مناطق أخرى ؛ وذهب عبد المجيد ومعه مجموعة من أصدقائه إلى غيط القصب وأخذوا يتفننون فى ألعاب القوة فأقترح أحدهم تحزيم لبشة من أعواد القصب عددهم عشرين عودا ً ليحملها رجلين من أطرافها ويعترضون بها عبدالمجيد فى صدره ؛ وكانت المفاجأة ! لقد تصدى لهم بكتفه فانكسرت لبشة القصب نصفين وسقط الرجلان على الأرض وضحك الجميع وأخذوا يمصمصون القصب المكسور.

وكنت أنا قد تعودت فى أجازة الصيف المدرسية أن أقف أنتظر جدى الحا ج عبدالمجيدعند خروجه من بيته بشارع الحسنية وعندما يرانى ينادى كعادته ويقول " خد ياشيخ أحمد " ويعطينى قطعة نقود من فئة " القرشين " ؛ لقد كان يرحمد الله كريما ً وجوادا ً خاصة مع الفقراء والمساكين بمثل جود وكرم جده الحاج/ عمر أمين الزمر ؛ فهاهو يشارك فى أعمال الخير بأرادب من الفول وعجول من الجاموس؛ كما يحرص على دعوة الفقراء والمساكين للإفطار معه طوال شهر رمضان بما يشبه الآن موائد الرحمن ؛ وما كنت أظن أن صفات الأخلاق من مثل الكرم والجود والشجاعة والزهد صفات تورث بين الأجيال كصفات اللون والشبه والطول والقصر !! لكن تبين لى مع مرور الزمن أن أجدادنا قد توارثوا تلك الصفات الخلقية كابرا ً عن كابر ميراثا ً عن جدنا النبى الأعظم صلى الله عليه وسلم.

وكان جدى الحاج/ عبدالمجيد يحفظ القرآن ويدعو المشايخ للقرأة معه فى بيته و منهم الشيخ/ محمد الطايش والشيخ/ عبدالمقصود جوارى ؛ وعنه يقول الشيخ/ ابراهيم على زياده لقد رأيت الحاج عبد المجيد بالمسجد ولفت نظرى قيامه من السجود على قدميه بخفة بالرغم من ضخامته ولا يتسند بيديه !! ولما قيل له أكتب فدادين أرض لولدك الوحيد هانى رفض وقال التوريث بشرع الله بعد وفاتى

وفى الليلة الموعودة بالحزن والبكاء من سنة 1961م عاد الحاج/ عبدالمجيد الصيّاح من سهرته ودخل غرفته البحرية وجلس على الكنبة أسفل الشباك ونادى على إبنته الصغرى "أمينة " ليعطيها الدواء الذى أحضره لها ووضع يده فى جيبه ليخرج الدواء لكنها لم تخرج وأمال برأسه على الحائط !! وأسرعت جدتى أم هانى وعادت بالماء ونادته ليشرب فلم يردعليها ! فجذبته من يده ليصحو ولكنه لن يصحو ولن يشرب ولن يعيش .

وكانت جنازته أول جنازه حضرتها فى مقتبل حياتى حيث كان سنى وقتها حوالى عشر سنوات ؛ ووقفت مع الرجال الواقفين فى إنتظار خروج الجنازة ولفت نظرى بكاء عدد من الرجال أمامى وصياح عدد من النساء يقفن خلفى !! وخرج جدى فى نعشه محمولا ً على الأعناق فوجدت النسوة قد علت أصواتهن بينما كل الرجال يبكون ولفت نظرى وقتها بكاء رجلين سمينين وجيهين على رأسيهما الطربوش الأحمر ويلبسان البدلة السوداء بخلاف كل الرجال على رؤؤسهم العمائم ويلبسون الجلابيب ؛ وعلمت فيما بعد أن الرجلين هما الأستاذ/ كمال محمد الزمر والأستاذ/ عبدالعزيز مراد الزمر .

وسارت الجنازة فى موكب مهيب يتقدمه المشايخ والأعيان والعلماء والفقهاء وحاملى الرايات الخضراء ؛ ومشيت معهم حتى وصلت إلى بيت مطره على الجسر وكانت هناك حنفية مياه فتعلقت بها وأخذت أرنو إلى الوجوه وأنظر إلى العمائم وهى تمر من أمامى حتى إنتهى الموكب وذهب جدى إلى لقاء رب كريم وحليم وعدت أنا حزينا ً باكيا ً .

وبموته أغلق باب رزق للفقراء والمساكين فلقد كان كريما ً جوادا قريبا ًمن الناس قريبا ًمن الله قريبا ًمن الجنة وعزائى فيك يا جدى أنى سأراك فى الفردوس الأعلا والحمد لله رب العالمين .

الأربعاء، 6 أكتوبر 2010

الأخــــوة فـــى الإســـــــلام

الأخــوة فــى الإســــلام

بسم الله الرحمن الرحيم " إنما المؤمنون إخوة فاصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون " آيه رقم10من سورة الحجرات .
وقيل أنه لا إيمان بلا أخوة ولا أخوة بلا إيمان ؛ وقال صلى الله عليه وسلم " لو كنت متخذا ً خليلا ً لأتخذت أبا بكر خليلا ً ولكن أخوة الإسلام " وبمقتضى هذه النظرة الإسلامية أصبح لرابطة الأخوة بعد إيمانى كبير ؛ فكل من رضى بالله ربا ً وبالإسلام دينا ً من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها كلهم أخوة فى الله وإن إختلفت أزمانهم وأوطانهم وألوانهم وألسنتهم إذ الجميع تحت راية واحدة قال تعالى " إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون " آيه 92 من سورة الأنبياء .

وأخوة الإيمان متصلة على مر الأزمان قال تعالى " والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم " آيه 10 من سورة الحشر .

وورد بالأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل بالأسرى يوم بدر فرقهم بين أصحابه وقال " إستوصوا بهم خيرا ً " وكان من بين الأسرى أبوعزيز بن عمير شقيق مصعب بن عمير ؛ وكان أبو عزيز يحمل لواء المشركين يوم بدر بعد مقتل النضر بن الحارث ؛ يقول أبوعزيز " مر بى أخى مصعب ورجل من الأنصار يأسرنى فقال مصعب مخاطبا ًالأنصارى " اقبض عليه بشدة فإن أمه ذات متاع لعلها تفتديه منك " فقلت ياأخى مصعب هذه وصايتك بى ؟ فقال مصعب " إنه أخى دونك " يقصد الأنصارى .

نعم إن قرابة الإيمان والإسلام أقوى وأعلا من قرابة النسب والدم قال تعالى " ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا أباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فاؤلئك هم الظالمون " آيه 23 من سورة التوبة .

حقيقة نحن جميعا مطالبون شرعا ًبان نتعامل مع الناس بمفهوم ألأخوة ؛ خاصة وأن كل الناس لهم نسب وصهر مع كل الناس ولا تنسى ياأخى أن أبى وأباك آدم وأمك وأمى حواء فنحن إخوة فى الإنسانية إن لم نكن أخوة فى الإسلام ؛ ولكن أخوة الإسلام أعلا وأقرب ولقد شاهدت بنفسى تجارب قاسية تؤكد وتبرهن على صحة المفهوم الإسلامى للأخوة !! فكم من قرابة فى النسب والعصب والرحم إبتعدوا عنى وهجرونى من بعد أحداث الإغتيال فى 6 أكتوبر 1981م وكنت أظنهم قريبين فكان ظنى فى غير محله !! ووجدت قرابتى مع إخوتى فى الله من المسلمين يسألون عنى وعن أخى عبود وأخى طارق ويتفقدون حالى ويستبشرون بمصافحتى والحمد لله رب العالمين .

وفى الأثر أن مالا ً جاء من البحرين على عهد الصديق رضى الله عنه فساوى فيه بين الناس فغضبت الأنصار وقالوا : فضلنا على الناس ! فقال الصديق : صدقتم إن أردتم أن أفضلكم صار ما عملتموه للدنيا ! وإن صبرتم كان ذلك لله عز وجل ! فقالوا : والله ما عملنا إلا لله تعالى وأنصرفوا ! ومن منطلق هذا الفهم أعلن وبكل وضوح وثبات ويقين أن ما عملته وعمله الآباء والأجداد إحتسبناه لله تعالى ولا نطلب التفضيل والأجر إلا منه عز وجل لذلك فإنى أخترت الأخوة المتصلة على مر الأزمان وأتعامل بها قدر الطاقة ما استطعت .

يقول الشاعر :--
يـا أخـوتـى أحبكــم لأنكــم خــير البشــر
ولـم تكونــوا هكــذا إلا بديـن قــد ظهـــر
فى قولكم وقولكم حـلو وصدق فى الخـبر
فى فعـلكــم وفعـلكــم خــير ببــذر وثمــر
فالمسـلمون أنتـم حـافـظتم عـلــى الفطــر
والمسـلمـون هكـذا إسـلامهـم قــد انتصـر
فى حربه فـى سـلمه مجسـدا ً حـى العــبر
يـارب ثبـت حـبهـم لــدى واجـعـلـه قـــدر
وأرتجـى تحــبهــم هـــذا رجــائى الأبـــر
فلـيس مـن زاد ســوى حبك والدنيـا سـفـر
ما مـدع أحـب فـى ســواك حبـا ًواسـتمـر
فـإن نحــب بعضنا فيـك فـقــد نلنـا الـوتـر


فالحمد لله على نعمة الإخوان والحمد لله على نعمة الإيمان ويقول عز وجل "ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير"آيه رقم 13 من سورة الحجرات ؛ صدقت ربنا وتعاليت وبلغ رسولك الكريم ونحن على ذلك من الشاهدين . &&&&&&